محمد باقر الملكي الميانجي

153

مناهج البيان في تفسير القرآن

أعيان الموجودات وأنواع المخلوقات مرتبط الأجزاء . متلائم الأبعاض ، وقد تتبدّل أجزاؤه من جزء إلى جزء ، ويتحوّل بعضه إلى بعض ، فيوما إنسان ويوما نبات ويوما جماد . . . وكذلك الحوادث الجارية مرتبطة ارتباط حلقات السلسلة ، أيّ وضع فرض لواحدة منها مؤثّر في أوضاع ما يقارنها ، وما يتقدّمها إلى أقدم العهود المفروضة للعالم الطبيعيّ كالسلسلة ، الّتي تنجرّ بجرّ الحلقة منها جميع الحلقات وهو السلسلة فأدنى تغيّر مفروض في ذرّة من ذرّات هذا العالم يوجب تغيّر الحال في الجميع . . . وكذلك أوصاف الأفعال وعناوين الأعمال مرتبطة الأطراف كارتباط الأمور المتقابلة المتعاندة ، فلو لا أحد المتعاندين لم يستقم أمر الآخر . . . ولو لم يتحقّق أحد الطرفين من أوصاف الأعمال لم يستقم أمر الآخر في آثاره المطلوبة منه في الاجتماع الإنسانيّ الطبيعيّ ، ولا في الاجتماع الإلهيّ الّذي هو الدين الحقّ ، فإنّ الإطاعة مثلا حسنة لأنّ المعصية سيّئة ، والحسنة موجبة للثواب لأنّ السيّئة موجبة للعقاب . . . فقد تبيّن ممّا ذكرناه أنّ الواجب في الحكمة أن يشتمل هذا العالم الفساد كما يشتمل على الصلاح ، وعلى المعصية كما يشتمل على الطاعة على ما قدّره اللّه في نظام صنعه وخلقه . . . [ هل الواجب في الحكمة شمول هذا العالم الفساد والمعصية أو لا ؟ ] أقول : فيه أوّلا : أنّه يلزم ممّا ذكره من حاكميّة النّظام العلّي والمعلولي وجوب صدور الفعل عن الفاعل إذا تمّت فاعليّته . وحيث إنّ اللّه - تعالى - تامّ لا نقص فيه من جهة من الجهات فيجب صدور الفعل عنه وهذا الوجوب ينافي كونه مختارا في أفعاله . وكذلك الأمر في الإنسان المختار إذا تمّت مقدّمات الفعل يجب صدوره عنه على رغم أنفه ، وواضح أنّ وجوب الفعل ينافي اختياره . فإن قيل : إنّ من أجزاء العلّة التامّة في الأفعال الإرادة . قلت : إنّ الإرادة أيضا فعل من الأفعال ، داخل تحت نظام العلّة والمعلول . والأسباب حاكمة عليها ، فيلزم كون الفعل صادرا عن الفاعل المختار إيجابا عليه ، إلّا أن تقول : بأن الإرادة ليست معلولة لعلّة ، فينتقض قانون العلّية والمعلوليّة . وثانيا : ما ذكره من كون أدنى تغيّر في ذرّة من ذرّات هذا العالم موجبا لتغيّر الحال في الجميع ، ينافي مالكيّته وقدرته سبحانه . قال تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ